محمد بن جرير الطبري
595
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه : وأشربوا في قلوبهم العجل تأويل من قال : وأشربوا في قلوبهم حب العجل لأن الماء لا يقال منه : أشرب فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك في حب الشئ ، فيقال منه : أشرب قلب فلان حب كذا ، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه كما قال زهير : فصحوت عنها بعد حب داخل * والحب يشربه فؤادك داء قال : ولكنه ترك ذكر الحب اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام ، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب ، وأن الذي يشرب القلب منه حبه ، كما قال جل ثناؤه : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ، وكما قال الشاعر : ألا إنني سقيت أسود حالكا * ألا بجلي من الشراب ألا بجل يعني بذلك سما أسود ، فاكتفى بذكر أسود عن ذكر السم لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله : سقيت أسود ، ويروى : ألا إنني سقيت أسود سالخا وقد تقول العرب : إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم ، فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات . ومنه قول الشاعر : يقولون جاهد يا جميل بغزوة * وإن جهادا طئ وقتالها